ابن عربي

335

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

- فائدة - إذا كنت في شيء ولا بد قائلا * فقل فيه علما لا تقل فيه بالزعم فإن الذي قد قال بالزعم مخطئ * كذا جاء في القرآن إن كنت ذا فهم ولا تك ذا فكر إذا كنت طالبا * مشاهدة الأعيان واحذر من الوهم وكن مع حكم اللّه في كل حالة * فقد فاز بالإدراك من قام بالحكم [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 8 إلى 9 ] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 8 ) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) [ يوم التغابن : ] « ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ » فإنه غبن كله ، فهو يوم التغابن ، يريد عذاب النفوس ، فيقول : يا ويلتا على ما فرطت ، فإن العبد كان متمكنا من ذلك فلم يفعل وهو يوم كشف الغطاء ، وتتبين الأمور الواقعة في الدنيا ما أثمرت هنالك ، فيقول الكافر وهو الجاهل ( يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ) لعلمه أنه كان متمكنا من ذلك فلم يفعل ، فعذابه ندمه ، وما غبن فيه نفسه أشد عليه من أسباب العذاب من خارج ، وهذا هو العذاب الأكبر . والتغابن يدرك في ذلك اليوم الكل الطائع والعاصي ، فالطائع يقول : يا ليتني بذلت جهدي ؛ والمخالف يقول : يا ليتني لم أخالف ربي ، فيوم القيامة يوم التغابن للكل ، فالسعيد فاعل الخير يقول : يا ويلتا ليتني زدت ؛ والشقي فاعل الشر يقول : يا حسرتا على ما فرطت يا ليتني فعلت خيرا ؛ وهو يوم التغابن للمعطي والمانع ، فيود المعطي المقبول لو أعطى جميع ما عنده ، ويود المانع لو أعطى ما منع ، ويود المعطي من غير وجهه أنه أعطى من الوجه الذي يليق ويكون معه القبول . ومن التغابن الذي في ذلك اليوم الانتقال الذي بين أهل السعادة وأهل الشقاء ، فإن المؤمن هنا في عبادة ، والعبادة تعطيه الخشوع والذلة ، والكافر في عزة وفرحة ، فإذا كان يوم القيامة يخلع عز الكافر وسروره وفرحه على المؤمن ، ويخلع ذل المؤمن وخشوعه